الحدأة والضيف

الحدأة والضيف

 

 

الحدأة والضيف

كان أحد الشيوخ معروفاً بعراقة الأصل وطيب الأرومة والمحتد عزيزاً في قومه ، ولكنه كان فقير الحال معدماً لا يملك مـن متـاع الدنيـا شيئاً ، وكانت له بندقية صيد من بنادق ذلك الزمان مَهَرَ على إصابة الهدف بها حتى أصبح يضرب به المثل في شدة التصويب وفي دقة الإصابة ، وكثيراً ما كان يخرج للصيد فيصطاد بعض الطيور والحيوانات الصغيرة كالأرانب والحَجَل وما شابه ويعود بها إلى بيته فيقتاتون بها هو وعائلته ، وكان في بعض الأحيان يعود خالي الوفاض ولا يجد ما يقتنصه ، فيبيتون على الطوى والجوع في ذلك اليوم .

وخرج ذات يوم للصيد كعادته وسار ساعات طويلة في الصحراء ولكنه لم يجد ما يقتنصه ، فأرهقه التعب والجوع حتى كاد يهلك ، ورأى أثناء سيره بيتاً كبيراً في الصحراء فقصده ليستريح فيه ، ورأى دخاناً متصاعداً من البيت فحدثته نفسه بأنه سيصيب شيئاً من الطعام عند هؤلاء القوم .

وكان البيت لأحد الوجهاء المعروفين ، وقد أعد وليمة أو قِرَى في ذلك اليوم ودعا إليها معارفه من شيوخ ووجهاء تلك المنطقة ، وفرش لهم فراشاً نظيفاً من بُسُطٍ وفرشات صوفية سميكة ووسائد جميلة مطرزة ، وكان البيت يعج بالضيوف والمعازيب ، حيث شربوا القهوة المرة وتناولوا أطراف الحديث ، حتى قارب وقت الغداء .

وعندما وصل الرجل إلى ذلك البيت ألقى التحية وكان مرهقاً رثّ الثياب أشعث الوجه رفيع العود ، وهيئته تـدل على الفقـر والحاجـة ، فظنه صاحب البيت شحاذاً أو قصَّاداً فقال له أجلس هنا يا رجل وأجلسه حيث توضع أحذية الضيوف خارج البيت ، ولم يلتفت إليه أحد أو يكترث لوجوده .

وعندما حان وقت الغداء وقُدمت المناسف وعليها اللحم والثريد ، تناول صاحب البيت قطعة من اللحم ولفَّها في رغيف من الخبز وأعطاها لذلك الأعرابـي ، وكانت اللحمة ساخنة فأخرجها الرجل وأخذ يتأملها ويتأمل ذلك المضيف ، ثم رفعها نحو فمه ليأكل منها ، وكانت حدأة تحوم في الجو فوق ذلك المكان حيث شمت رائحة اللحم والزَّفر ، وكان الجوع يملأ الدنيا بسبب الجدب والمحل في تلك السنـة ، فهبطت بسرعة البرق واختطفت اللحمة من يد الأعرابي وطارت وحلقت بها عالياً في الفضاء . ونظر الأعرابي إلى قطعة اللحم التي اختطفتها الحدأة من يده قبل أن يقضم منها شيئاً وقد غلبه الجوع ونظر إلى الناس الذين أخذوا يضحكون ويسخرون منه ، فتناول بندقيته وصوَّبها بكل هدوء نحو تلك الحدأة التي خطفت اللحمة من يده وأطلق عليها رصاصة واحـدة ، فهوت الحدأة تُفَرْفِرُ حتى وقعت أمامه مقتولـة ووقعـت معها اللحمـة التي خطفتها من يده ، فنظر إليها في سخف ونظر إلى المضيف نظرة ملؤها الاحتقار والازدراء ، ونظر إلى الضيوف والمعازيب الذين سخروا منه ، ثم تناول اللحمة ومسحها من التراب في طرف ثوبه ، وأراد أن يأكلها لأنه كان جائعاً ، وكان الضيوف وصاحب البيت ينظرون إلى ذلك المشهد مشدوهين ، وهنا قام صاحب البيت من مكانه مسرعاً وتوجه نحو الأعرابي وسأله قائلاً : أسألك بالله ألست أنت الشيخ فلان الفلاني ؟

فقال له : أي والله هو أنا .

فضمه صاحب البيت إلى صدره وأمسكه من يده وأخذه وأجلسه في صدر المكان حيث يجلس الشيوخ والوجهاء ، وهو يعتذر إليه لما بدر منه من تقصير في واجبه بسبب جهله به وعدم معرفته له ، وأخذ يحدثهم عنه وعما سمعه عن سمعته الطيـبة ، وأقسم أن يعمل له قِرَىً لوحده ، وعمل له بالفعل ، وانشرحت أسارير الرجل ، وتحدث مع زملائه عن كثير من القصص والمغامرات التي تحدث معه في الصحراء ، وهكذا عاد للرجل اعتباره ، فاستراح عند مضيفه بقية ذلك اليوم ، ثم عاد إلى أهله وعشيرته ليروي لهم أحداث تلك القصة المثيـرة .

 

 

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||