سيرة عن حياة الشيخ أحمد أبوبكر القاضي المالكي في سطور

سيرة عن حياة الشيخ أحمد أبوبكر القاضي المالكي في سطور

 

سيرة عن حياة الشيخ أحمد أبوبكر القاضي المالكي في سطور

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن أطيب ما أبدأ به أن أقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها".
لا يخفى أن من أعظم المصائب والبلايا التي قدّرها مقدر الأقدار سبحانه أن يفقد المرء أحد والديه، فبعد أن كان مصدراً له بعد الله للسعادة والطمأنينة والخير والبر والنصح والرحمة والعطف، وبعد أن كان يحوطه بكل المعاني الأبوية الكاملة، صار لا يراه حوله، ولا يسمع صوته، ولا يستلذ بمجلسه، ولا يستطيع أن يقبله أو يعانقه أو ينعم بخدمته أو يسير في معيته.
وتعظم المصيبة إيلاماً ويزيد نارها إحراقاً واضطراماً إذا كان ذلك الوالد قدوة صالحة، عظيماً في صفاته وأقواله وأعماله وكل حياته.
ففقده عند ذلك مصيبة أمة لا مصيبة جماعة يسيرة، ومصيبة مجتمع برمته لا أسرة أو عشيرة محصورة.
فموت العظماء المصلحين الصادقين مصيبة عظيمة على أمة الإسلام، والعزاء في هؤلاء تذكر مصيبة الأمة الكبرى في موت سيد المرسلين صل الله عليه وسلم وإمام المتقين، سيدنا محمد صل الله عليه وسلم
ففي يوم الاثنين ليلة الثلاثاء 7-8/3/1433هـ، وفي ثلث الليل الأخير توفي والدي الشيخ أحمد بن أبو بكر القاضي المالكي إمام وخطيب مسجد الشيخ علي بوادي مَهْوَر من قبيلة بني حرب ببني مالك جنوب الطائف، بعد سبعة وثمانين سنة (87) سنة قضاها متألهاً متعبداً ناسكاً زاهداً صالحاً مصلحاً، ومعلماً ومربياً داعياً إلى الله وآمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.
فهو كبير عشيرته "القضاة" ومأمون قبيلته بني حرب، والاسم الأبرز في وادي مهور في زمنه في الإصلاح والخير والعبادة والمكانة والجاه.
فكانت الفاجعة به فاجعة أمة والمصيبة به مصيبة أمة، وإن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا أبتاه لمحزونون.
وفي مقالتي هذه أحاول أن أسطر شيئاً من سيرته أكتبها مسرعاً مختصراً، وأنا أكاد أخطئ مكان السطر لسبق الدموع، وإلى الله المشتكى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كان والدي -رحمه الله- آية في العبادة لربه جل وعلا، فقد كانت حياته كلها عبادة، فلا يرى إلا في طاعة، فلم يفقده الله حيث أمره، ولم يره حيث نهاه، نحسبه كذلك، والله حسيبه.
يبدأ يومه بالاستيقاظ قبل الفجر بقرابة ساعتين، وهو الوقت الذي مات فيه -رحمه الله- في الثلث الآخر من الليل، فيتوضأ ثم يصلي، ولا يزال في قيام وقراءة قرآن وذكر لله تعالى ودعاء وابتهال، حتى يقترب الفجر، ثم يسير في الغلس إلى المسجد فيصلي صلاة الفجر، ويذكر الله كثيراً ثم يعود إلى المنزل فيبقى يقرأ القرآن حتى ترتفع الشمس ثم يصلي ركعتين، ثم ينام ساعة أو أكثر إذا لم يكن لديه حاجة أو يذهب في إصلاح بين الناس، ثم يتوضأ ويصلي الضحى ثمان ركعات، ثم يبقى في مصلاه يقرأ القرآن ويدعو ثم يسير مبكراً إلى المسجد فيصلي الظهر، وبعد عودته يجلس معنا ويتحدث إلينا ويتغدى ولا ينام، وبعد العصر يجلس في مجلسه العامر فإن أتاه أحد وإلا فمصحفه معه لا يفارقه فيفتح مصحفه ويقرأ حتى يقترب المغرب فيتوضأ ويذهب لصلاة المغرب، ويبقى على ذلك بعد المغرب حتى العشاء وبعد العشاء يجلس مع أهله وزائريه ويتعشى مبكراً ثم ينام.
هذا هو جدوله لأكثر من ستين سنة حتى أصابه المرض والعجز في آخر سنيّ حياته.
ولي مع ما أجملت وقفات:
فأما صلاته، فقرة عينه، لا يرتاح إلا بها، قلبه معلق بالمسجد؛ نعم شغله الصلاة، وراحته بالصلاة، وأنسه بالمسجد يكون من أول الداخلين إلى المسجد مع أنه الإمام.
لم تفته تكبيرة الإحرام مطلقاً ولا يؤذن المؤذن وهو في المنزل أبداً ولم يُرَ في الصلاة قفا أحد، فهو الإمام، ثم إنه بعد أن ترك الإمامة لعجزه، صار له مكان معروف في الصف الأول خلف الإمام على اليمين يعرفه كل مسجد يدخله، ويعرف أهل المسجد أنه يسابق إلى ذلك أشد المسابقة.
**** ******* من لي بمثل سيرك المدلل*************** تمشي رويداً وتجي في الأول
ومن مواقفه في ذلك:
1-*** أنني مرة شكوت له كثرة التفكير في الصلاة، فقال لي: (يا ولدي، يشكي الناس من التفكير في الصلاة، والحمد لله أنني لا يأتيني التفكير في الصلاة أبداً).
*وإني أقول: كيف لا تخشع يا أبتاه في صلاتك وقد كنت في صلاة على الدوام، وكيف تفكر في الصلاة وأنت لا تفكر بعدها ولا قبلها إلا فيها.
2-*** غضب مني يوماً لتأخري في الاستيقاظ لصلاة الفجر فقال لي مغضباً: (والله ما أخرت فريضة منذ أدركت، ولا نمت جُنباً منذ تزوجت).
وأما قراءة القرآن؛ فالقرآن رفيقه الذي لا يمله أبداً فمصحفه معه دائماً يختم في الشهر خمس أو ست مرات، متأنياً في القراءة، إن مرّ بآية رحمة أو جنة، سأل الله من فضله، وإن مرّ بآية عذاب استعاذ بالله من النار.
يقرأ في خشوع وشغف، يبكي كثيراً مع القرآن، لا يمكن أن يرتاح في بيت حتى يكون المصحف معه، يزداد نشاطه في رمضان، ولكن ليس كثيراً لأن حياته كلها رمضان، ومن مواقفه في ذلك:
1-*** أنه كان يذكر لي صديقه الشيخ عبد الله الشهري -حفظه الله- ويذكر عنه أنه يختم في ثلاث، وكان يقول: (أنا لم أستطع أن أصنع مثله، حاولت أن أفعل مثله فلم أستطع فقراءتي بطيئة ولو كانت قراءتي سريعة لفعلت مثله) كان يقول ذلك وهو في السبعينات من عمره، يريد أن يزداد من الطاعة.
كانت مثل هذه المواقف تبكيني، فقد كان في وقت هو فيه كبير في السن قد ضعف جسمه ورق عظمه، ومع ذلك يؤمل في المنافسة في الطاعة.
2-*** *مرة اتصلت عليه بالجوال وأنا في مدينة حائل، وهو في الطائف في عام 1424هـ تقريباً وسلمت عليه، بعد ذلك سألته قائلاً: من عندك في المجلس؟ فقال -بهذا اللفظ-: (معي في المجلس الذي لا أملّه)، فقلت من؟ قال: (المصحف)، إي والله إنك لم تملّه ولم يملّك، فما أعظمه من صاحب، وما أطيبها من صحبة.
3-*** من حرصه على أن لا ينقطع عن القرآن، ولا يذهب شيء من وقته في غير طاعة، وضع في سيارتي مصحفاً،* وفي سيارة أخي عبد الرحمن مصحفاً آخر، حتى إذا خرجنا من السيارة لحاجة مضى وقت الانتظار مع القرآن.
فانظر أخي إلى هذه الدقة في الوقت والأنس بصحبة القرآن، وكان دائماً يقول لمن لا يكثر من قراءة القرآن: (القرآن لا يُملّ منه، فكيف تملون منه؟)
وكان لا يحب أن يسمع في مسجل السيارة شيئاً غير القرآن، فإذا وضعتُ شريط محاضرة في المسجل أسمع قليلاً، طلب إعادة شريط القرآن وكان يقول بلفظه: (ما في شيء أحسن من القرآن).
نعم لقد ارتبط به ارتباطاً وثيقاً، فكان لا ينفك عنه مطلقاً ولهذا كان شديد التأثر به، وقافاً عند آياته ومواعظه، وأذكر في ذلك هذا الموقف:
غضب أبي غضباً شديداً على أحد الأقارب لخطأ حصل منه، وكنت يوماً أذكر له أجر العفو والصفح، رجاء أن يذهب عنه ما يجده في ذلك، وذكرت له قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع مسطح لما وقع في عرض عائشةرضي الله عنها ونزول قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُم ) فتأثر الوالد من ذلك وجعل يدعو بالخير لمن أخطأ عليه وطلب مني أن أكتب له القصة والآية في مذكرته التي كان يحملها في محفظته، فكتبتُ ذلك له في مذكرته الخاصة.
إنه -رحمه الله- تربى على القرآن فأثمر فيه علماً وعملاً وخلقاً.
وأما حرصه على الطهارة وأخذ الزينة عند كل مسجد فشيء لا يكاد يصدق، فقد عاش أبي متوضئاً طوال حياته، وذلك أكثر من ستين عاماً لا يقطع الوضوء إلا بالوضوء، فإنه كان إذا أحدث توضأ مباشرة وإذا نام كان أول ما يفعله بعد قيامه الوضوء فلا يُرى مستيقظاً إلا وهو متوضيءٌ ولم يكن ذلك عمله في سنة أو عشر أو عشرين بل كان على ذلك حياته كلها، منذ أن شبَّ وحتى اشتد ضعفه في أواخر عام 1427هـ، أو 1428هـ.
وكان يشكو لي أنه لا يستطيع أن يتوضأ كلما أحدث كما كان حاله، ويتألم لذلك أشد الألم، كما كان يتألم في أواخر حياته لعدم قدرته على الذهاب لصلاة الجماعة، ويبكي كثيراً بسبب ذلك، ويكرر مقالته لمن حوله: (اغتنموا شبابكم في طاعة الله فأنا الآن أريد المسجد ولا أستطيع الذهاب إليه) يقولها وهو يبكي عدة مرات.
وكنت إذا رأيته يتأثر لذلك أذكر له حديث النبي صل الله عليه وسلمr: "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم".
فكان يسرّ ويفرح بهذا الحديث، وكان يحبّ أن يسمعه، وكلما سمعه يتكرر سروره، وكأني أرى ابتسامته الآن، وكأنه يسمعه لأول مرة رجاء رحمة الله، وكان يتبع ذلك بالدعاء لربه أن لا يحرمه الأجر.
كنت أقول له: أنت لم تنقطع عن الإمامة والخطابة وصلاة الجماعة وطول قيام الليل، وطول قراءة القرآن، والوضوء الدائم إلا بسبب مرضك وعجزك، فأبشر يا أبي إن أجرك لم ينقص منه شيء، فكأنك على ما كنت عليه من العمل، فكان يتعزى بذلك، ويخفف عنه ذلك تألمه العظيم لعدم قدرته على مواصلة ما كان يفعله في السابق.
وكل من حوله يعرف أن عمله كان ديمةً لا يفتر عن عبادته ولا عن قيامه ولا* صلاته ولا دعائه وذكره مطلقاً، حتى في سفره، لم يفصله عن كثرة نوافل الطاعات إلا المرض والعجز.
ومن عجائب أمره -رحمه الله- أني كنت أذكر عبادته مع أخي "ضيف الله" -حفظه الله-، فقال لي أخي أبو محمد: (إنك لم تدرك أبي إلا وهو كبير قد شاب، والله إن عبادته وطاعته في شبابه كانت أشد مما ترى)، فقلت: وأي شيء هو أشد وأعظم مما أرى؟! وأنا لا أعرفه إلا في طاعة مستمرة وعبادة مستديمة، وتأله لربه على الدوام!.
*فما أعظم فقد أمثالك يا أبتاه، وما أكبر المصيبة فيك، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما اتباعه لسنة النبي صل الله عليه وسلم فشيء عظيم، لا يعلم بسنة إلا ويحافظ عليها محافظة شديدة، فكان يحافظ على العمل بالسنة في جميع الأوقات.
فكان دائم الأذكار، محافظاً على الأذكار الواردة، يحرص على أن يقولها بصوت مسموع، فكان من يشرف بمعيته يحفظ عنه ذلك، ولقد حفظت عن أبي بالقدوة وأنا صغير جميع الأذكار، أذكار الصلاة وأذكار الصباح والمساء وجميع أذكار اليوم والليلة.
ولم أعهد أنه نسي مرة شيئاً من ذلك مطلقاً، فهو شديد المواظبة على اتباع السنة والمواصلة على الطاعة في كل وقت وحين.
وأذكر على سبيل المثال هذين الأمرين:
الأول: سنة السواك: لأبي مع السواك علاقة متصلة، فسواك الأراك معه في كل مكان، وأعني بكل مكان أنه لا يمكن أن يكون في مكان إلا ومعه سواك الأراك، فلا يمكن أن يتوضأ إلا ومعه السواك، فكان يتسوك في وضوئه، ولم أره يتوضأ من غير السواك مطلقاً ومن المعلوم أن الذين يحافظون على السواك في الوضوء قليل، وكان أبي -رحمه الله- منهم وكذلك فسواكه معه دائماً سواء كان في مجلسه أو مسيره، أو في مصلاه، أو المسجد، فلا بد في ذلك أن يكون السواك معه، يستاك في جميع الأحوال الواردة ويحافظ على ذلك في كل حال.
وأذكر مرة أنه سقط منه السواك في السيارة فلم يجده، فأمرني أن لا أسير بالسيارة حتى يجده، وتغير وجهه واهتم لذلك كثيراً فجعلت أبحث معه حتى وجده، فلما وجده ارتاحت نفسه وتبسم، وقال: (أنا بدون السواك ناقص، لا أحب أن أسير* بدون السواك).
وكان يحافظ على سواكه القديم حتى يأتيه الجديد، وكان أغلب من يتولى الإتيان به له ويتابع ذلك باهتمام أخي عبد الرحمن -حفظه الله-، وكان أبي في مهور بني مالك لا يرمي السواك، فتجد السواك القديم مجموع في الدرج عند رأسه حتى إذا تأخر عنه الجديد لا يبقى بغير سواك.
الثاني: من المواقف المؤثرة أنه شكى لي أنه يتعب في الدخول إلى المسجد باليمين، لأن رجله اليمنى بها شلل قديم في الفخذ، فقلت له: يجوز يا أبي أن تدخل باليسار، فأجابني أنه يعلم أن ذلك جائز، لكن قلبه وإيمانه وتوقيره للمسجد يمنعه من ذلك.
وكان ذلك في أواخر أيام ذهابه للمسجد وهو يمشي قبل أن أصبح يذهب إلى المسجد بالعربية.
وحدثني أخي (محمد) الذي شرفه الله بخدمة أبي والبقاء معه في أخريات سنيّ عمره؛ أن أبي كان يقف على الباب دقائق وهو يتحامل على نفسه ليدخل برجله اليمنى، ولم يرض لنفسه مع شدة مرضه وعجزه أن يدخل بيساره، فيبقى واقفاً دقائق حتى يستطيع الدخول باليمين.
لله درّك يا أبي، أي حال من الخير والطاعة واتباع السنة كنت عليه، لن يضيع الله أجرك، فهو أكرم الأكرمين، وولي الصالحين.
وأما إمامته فهو إمام للصلاة طوال حياته حتى عجز عن ذلك في عام 1415هـ بسبب ما في رجليه من شلل اشتد أثره عليه في الكبر.
ويرجع ذلك إلى أول شبابه فقد كان مشتغلاً بالأذان والإمامة في مسجد القرية المجاور لحصن جدي الشيخ أبو بكر القاضي، قاضي بني حرب -رحمهم الله- وكان* لا ينفك عن ذلك مطلقاً، وكان شديد الحرص على ذلك، حتى صار أذانه موعداً للناس في القرى المجاورة، فكانوا يقولون إذا أرادوا اللقاء فجراً: (موعدنا أذان أحمد أبو بكر).
نعم ارتبط أبي بالأذان والإمامة في مسجد القرية، وفي عام 1375هـ تقريباً وعندما أوكل إليه بالإمامة والخطابة الشيخ دهيم بن أحمد القاضي -رحمه الله- في أحد الأسابيع لمرضه تولى والدي -رحمه الله-* الإمامة والخطابة فأحبه الناس واجتمعوا عليه، ومنذ ذلك الحين صار إماماً وخطيباً لمسجد الشيخ علي بوادي مهور وارتبط به ارتباطاً وثيقاً وفي عام 1382هـ عُين فيه إماماً راتباً من وزارة الأوقاف آنذاك،* وبقي على ذلك حتى عجز عن الإمامة بسبب المرض وكبر السن في عام 1415هـ وانتقل إلى مدينة الطائف.
وقد شهدت معه آخر يومٍ فارق فيه مسجد الشيخ علي قبل أن يترك إمامته، وهو متأثر جداً، ويقول: (أودعت في هذا المكان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) يقول وهو يبكي، وحزن لذلك كثيراً، وحزن المصلون من أهل وادي مهور بني مالك على فقده كثيراً.
وأما دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فإنه كان داعياً إلى الله بقوله وفعله، لا أذكر أنه رأى منكراً فلم ينكره، فينكر دائماً على كل منكر يراه أمامه، ولا يهاب في ذلك أحداً.
وكان مهاباً لا يغضب منه من ينكر عليه مهما كان أسلوبه في الإنكار.
له في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر* والتأثير على الناس مواقف كثيرة وعجيبة.
وأما الإصلاح بين الناس فهو عمله الدائم الذي لا ينفك عنه، ولم يدخل في شيء من ذلك إلا كتب الله في سعيه الصلح والخير، وقد ارتبط اسمه بالإصلاح بين الناس في قبيلته وخارج قبيلته، وله في ذلك أثرٌ عظيم في كل قرية، بل كان يصلح حتى بين الزوجين، وبين الأب وأولاده وبين الإخوان في داخل الأُسر.
وكان الجميع يثق به، ويقبل قوله، فإذا قال صدقوه، وإذا أتى برأي أخذوه، فهو المأمون والمصدق عندهم، والشخصية التي لا يخالطهم شك في نقائها وصدقها وصلاحها وسلامة فعلها، ولهذا أحبه الجميع، وما رآه أحد إلا أحبه، ولا عرفه أحدٌ إلا هابه وأقبل عليه.
ومع عظيم هيبته كان قريباً من الناس مفشياً للسلام يصافح كل من يلقاه، ويتبسم في وجه كل من يصافحه، حلو الدعابة كثير الابتسامة، متواضعاً للناس لا يعجب بعمله ولا يسمّع به، محتقراً لعبادته، مستقلاً لعمله، إذا سمع موعظة أو حضر مجلس ذكر كان *أشد المتعظين، وأكثر المتأثرين، ولا أُحصي المواقف التي رأيته فيها يبكي وينتحب في الخطب والمواعظ التي يحضرها وكان رجّاعاً إلى الحق، وقافاً عند كتاب الله، كثير الاستغفار والذكر، خاضعاً خاشعاً لله.
كان آية من آيات الله في صدقه وأمانته، فهو الصادق في قوله، الأمين في فعله، فإذا أخبر بأمر أو واقعة ثم سمعتها منه بعد سنة أو أكثر لا يتغير فيها شيء، تسمعها بنفس اللفظ لا يغير فيها حتى اللفظ، فلا يطلب تزويقاً في الكلام وتزييناً للعبارات، وإذا شهد بشيء بين متخاصمين فهي شهادة الحق، المقبولة عن الجميع، وكان يضع الناس عنده ودائعهم وأموالهم ويختارونه في ذلك لقوة أمانته.
وكان يشعر بأبوته وقربه وصدقه كل عشيرته وأبناء قبيلته، ولهذا أحبوه وأجمعوا على مدحه والثناء عليه والدعاء له.
وأما تقلله من الدنيا فقد عاش زاهداً متقللاً منها عازفاً عنها.
فهو لم ينافس عليها، إذا ذُكر الله ارتاحت نفسه وأشرق وجهه النير بالطاعة، وأنس بالمجلس والجالسين، وإذا ذكرت الدنيا اشمأزّت نفسه، وكان دائماً ما يقول: (لا أفكر في شيء من الدنيا، والله ما أفكر إلا في القبر كيف أكون إذا أصبحت فيه وحيداً) كان يكرر ذلك كثيراً، وهو يبكي، وقد مازحته مراراً عندما أجده شارد الذهن، وأسأله بماذا يفكر؟ فكان يجيبني: (ما أفكر إلا في القبر).
أما وقد دخلته يا أبتاه خائفاً من ربك، مشتغلاً في حياتك بطاعته، فأسأل الله تعالى أن يؤمن خوفك وأن ينير عليك قبرك ويفسح لك فيه، ويجعله روضة من رياض الجنة، ويجعلك في الفردوس الأعلى من الجنة.
أخي القارئ: عاش والدي الكريم على طاعة وخير وبر دائم، ولما ثقل عليه مرضه كان لا يفكر إلا في الصلاة، فكان ينادي بمن يحضر له الطهر والتيمم ليصلي، ويكرر كثيراً في الليل والنهار، قلبه مع الصلاة.
اشتد مرضه حتى أصيب بجلطة في الدماغ في 1/2/1433هـ، وبقي في المستشفى في غيبوبة، وكان يفيق أحياناً، فإذا سئل عن حاله حمد الله مشيراً بشفتيه، وكان يذكر الله، وإذا رفع صوت الأذان في التلفاز أجاب المؤذن كعادته في المحافظة على ذلك، وكان في مرض شديد في غيبوبة في أغلب أحواله لكنه طلب الطهور للصلاة عدة مرات، أخبر بذلك أخي محمد -حفظه الله- وقال: (كان آخر مرة طلب فيها الطهور للتيمم يوم السبت 5/3/1433هـ وهو في شدة مرضه وألح عليه حتى أحضر له الطهور)، ثم وضع يداه التي لطالما توضأت وصلت ولطالما دعت وألحت اليدان اللتان لم تمتدا إلى منكر قط، ثم إنه لم يستطع أن يرفعها إلى وجهه فمسح أخي محمد وجهه، يقول أخي محمد: (ثم رأيته يصلي ويحرك شفتيه ثم عاد في غيبوبته).
قلبه مع الصلاة والعبادة وهو في غيبوبته وبعد جلطة شديدة في الدماغ، فما أشد شغفك بالطاعة، وحرصك على الصلاة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.
وفي يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، 7-8/ 3/ 1433هـ وفي تمام الساعة الثالثة وأربعين دقيقة فجراً في الوقت الذي اعتاد أن يستيقظ فيه لقيام الليل وافته المنية وكان يرفع إصبعه المسبحة بالتوحيد لله تعالى قابضاً بقية أصابعه كهيئة يد المصلي في التشهد في الصلاة ثم فاضت روحه دون أن ينازع، وأشرق وجهه وزاد نوراً، وأغمض عينيه دون أن يغمضه أحد، وبقيت يده تشهد له بأنه قال كلمة التوحيد في آخر حياته ورآها جميع من حضر بعد ذلك من الإخوان.
وكان يتمنى أن يُصلى عليه في المسجد الحرام وأن يُدفن في مقبرة العدل فيسّر الله ذلك، فصلّي عليه في المسجد الحرام ودفن جسده المبارك الطاهر إن شاء الله في مقبرة العدل في عصر يوم الثلاثاء الموافق 8/3/1433هـ.
**** ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
**** عليك سلام الله وقفاً فإنني **** ******* رأيت الكريم الحر ليس له عمر
وكنت ممن نزل في قبره ووضع التراب تحت رأسه الطيب بيدي، فيا يدي:
أوَقد اجترأت أن تضعي التراب تحت أعز رأس على قلبي، أوَقد اجترأت يا يدي أن تحثي عليه التراب.
ولو أجابت يدي لقالت: لولا أن ذلك سنة ماضية وعمل نبوي شريف لكان حقي أن أقطع وأُرمى في التراب، والعزاء أن محمداً صل الله عليه وسلم وهو خير من وطء الثرى قد غُيّب جسده الطاهر في الثرى.
نعم والله لم يبكِ عليك أولادك وأهلك، وإنما بكى كل من عرفك، وبكى مصحفك وبيوت الله التي تعلق بها قلبك، بكى عليك بيتك وقريتك وقبيلتك.
بكى عليك مسجدك، بكى محرابه، وانتحبت زواياه وجوانبه.
افتقدك الصالحون واشتاق إليك المؤمنون الصادقون ودعا لك المسلمون.
*
ولست أرى الرزية فقد مالٍ ولكن الرزية فقد فذٍّ
*
*
ولا شاة تموت ولا بعير يموت بموته خلق كثير.
*
ما أطيب الإيمان بالقضاء والقدر، وما أعظم الاسترجاع وقت المصيبة، ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )
اللهم هذا أبي قد قضى حياته في طاعتك، لا ينفك عن طلب مرضاتك، وقد كان حسَن الظن بك كثير الرجاء فيك، عظيم الخوف منك، وأنت أرحم الراحمين ورب العالمين، اللهم فاغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، واجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، واجعله في روح وريحان، ونعيم وغفران، وافسح له في قبره ونور له فيه، اللهم أمن خوفه وحقق أمله وسؤله، اللهم إنه حل ضيفاً عليك وأنت أكرم الأكرمين اللهم فأكرمه واجعله في أعلى عليين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً، آمين آمين، الله صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
*
*
كتبه ابنه:
علي بن أحمد بن أبو بكر القاضي المالكي
القاضي بالمحكمة العامة بتبوك
وامام جامع الشيخ عبدالعزيز بن باز

 

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||