قراءة في رؤية المملكة العربية السعودية "2030"

قراءة في رؤية المملكة العربية السعودية "2030"

 

قراءة في رؤية المملكة العربية السعودية "2030"

لقد حبانا الله في هذا الوطن الغالي المملكة العربية السعودية بقيادة حكيمة تمتلك القدرة على الارتقاء به وتحقيق أهدافه ورؤيته، وجعله في موقع محوري ورئيسي بين الاقتصادات العالمية، وخاصة فيما يتعلق بتنويع مجالات الاقتصاد لاستيعاب المتغيرات المتوقعة خلال الأعوام القادمة؛ فالسعودية في دول العشرين تجارياً وتاسع أقوى قوة في العالم، وهي كذلك قوة سياسية وإمكانات اقتصادية ضخمة وتفوُّق عسكري وسرعة في تشكيل التحالفات وقدرة في التعامل مع الأزمات.

واستجابة لتطلعات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – في وضع رؤية مستقبلية وتنموية للمملكة، أقر مجلس الوزراء في الخامس والعشرين من أبريل من العام 2016 رؤية المملكة الطموحة "رؤية 2030"، التي أعدها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – ولي العهد الأمين.

فجاءت رؤية "2030" لتمثل خطة طموحة للمملكة تضع الإجراءات التفصيلية لمواجهة المخاطر والتحديات التي قد تواجه اقتصادها، والذي يُعد الأكبر حجمًا على المستوى الإقليمي والعالمي، كما ترسم له خطة في السير نحو الاتجاه الصحيح، للوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة، ولجعله قادراً على التعامل مع المخاطر والصدمات الخارجية.

فخلصت الرؤية للتخلي عن النفط كمصدر رئيسي للدخل، خاصة في عصر أصبحت تتقلب فيه أسعار النفط، وأصبح رهينة للأسواق العالمية، مما تطلب من القيادة الرشيدة حفظها الله القيام بإصلاحات هيكلية واسعة لتغيير وجهة الحراك الاقتصادي وتفعيل القطاع العام والقطاع الخاص، ووضع الخطط البديلة لمواجهة التحديات.

وتتضمن وثيقة رؤية "2030" الخطوط العريضة لرؤية مبنية على أسس ومعايير علمية ممنهجة، رؤية كلية متكاملة وشاملة لتوزيع الاقتصاد، وتعميق التنمية الشاملة والمستدامة والمتوازنة من خلال تنويع مصادر الدخل والاستفادة من الأدوات الاستثمارية التي تمتلكها المملكة.

ولضمان تحقيق الأهداف التي رسمتها الرؤية ضمن وثيقتها فقد ارتكزت على ثلاثة عوامل أساسية هي:
- العمق العربي والإسلامي لكون السعودية هي قبلة المسلمين ولديها إرث عربي وإسلامي ضخم.
- القوة الاستثمارية للمملكة ممثلة في صندوقها السيادي والصناديق الأخرى.
- الموقع الجغرافي الاستراتيجي المتميز للمملكة في قلب الشرق الأوسط.
وتعتمد رؤية المملكة "2030" على ثلاثة محاور وهي المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح.

وتتلخص هذه المحاور في أطر متناسقة ومتناغمة مع بعضها، حيث يمثّل المحور الأول أساساً لتحقيق هذه الرؤية، ويؤسس قاعدة قوية، ومتينة للازدهار الاقتصادي، مرتكزة على بناء مجتمع حيوي قائم على المبادئ الإسلامية، معتزًا وفخوراً بالهوية الوطنية والإرث الثقافي العريق.

ويتمثل المحور الثاني في التركيز على توفير فرص العمل وتوليدها للمواطنين، وتنميتها للجميع من خلال روّاد الأعمال، والمنشآت الصغيرة إلى الشركات الكبرى لإطلاق إمكاناتهم الاقتصادية الواعدة، وتنويعها عبر بناء منظومة تعليمية مرتبطة باحتياجات سوق العمل، وتحسين بيئة الأعمال، بما يسهم في استقطاب أفضل الكفاءات العالميّة والاستثمارات النوعيّة.

لذلك فإن المحور الثالث من الرؤية ركز على رسم ملامح الحكومة الفاعلة من خلال تعزيز الكفاءة، والشفافية، والمساءلة، وتشجيع ثقافة الأداء، وتمكين الموارد البشرية، وتهيئة البيئة اللازمة لجميع افراد المجتمع ومؤسساته لتحمل مسؤولياتهم، وأخذ زمام المبادرة في مواجهة التحديّات واقتناص الفرص.

إن المُتمحص، والمُتفحص لرؤية "2030" وما تتضمنه من بنود يجد أنها خطة ذكية وعبقرية، أخذت بعين الاعتبار الوضع الراهن للمملكة، ومزجت بين موارد الدولة ونقاط القوة فيها، وكيفية الوصول بها إلى التطلعات المستقبلية المرجو تحقيقها.

ولقد أدركت قيادتنا الحكيمة – حفظها الله – المخاطر التي قد تحيط بالمملكة، فجاءت الرؤية كأحد أهم المرتكزات الأساسية في إدارة المخاطر وتعاملها مع التحديات المستقبلية، فشملت محاور الرؤية برامج أساسية وأصيلة لتحقيق أهدافها، وهذا بحد ذاته يمثل الخطوة الأولى نحو النجاح في سبيل تحقيق الرؤية، والاستمرار بإطلاق برامج جديدة خلال السنوات المقبلة، يتم فيها وبشكل مستمّر مراجعة وتقويم الأداء في كافة قطاعات الدولة لإجل تحقيق الرؤية بإذن الله تعالى.

من هنا نلاحظ أن كل محور من محاور الرؤية، تضمن عدد من الالتزامات والأهداف، والتي تمثّل نموذجا يعكس طموح المملكة بالأرقام.

كما وأن المتمعن في الرؤية يجد أن عناصر إدارة المخاطر ملازمة لها، إذ تم اعتمادها كمرجعية عند اتخاذ القرار، والتأكد من مواءمة المشاريع المستقبلية مع ما تتضمنّه محاور الرؤية في تعزيز العمل، والقيام بتنفيذها.

فرؤية "2030" هي سياسة ناجحة بكل المعايير، والمقاييس، ويتم النظر إليها كإحدى الخطط الحكيمة للقيادة الرشيدة التي ستقود الدولة إلى مكانها الكبير في تحقيق الطموحات وأن تكون في مراكز أكثر قوة على المستوى العالمي.

إن النظرة الثاقبة لسمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان أمير الشباب وعراب الرؤية – حفظه الله - جعلته يؤكد على أن تكون إدارة المخاطر ضمن برامج الرؤية وأهدافها، فقد وجه سموهُ بأن يكون هناك برنامجًا لتعزيز حوكمة العمل الحكومي، من خلال إعادة هيكلة مستمرة، ومرنة للأجهزة الحكومية، وتوحيد جهودها لتسهيل الإجراءات وتحديد الاختصاصات بشكل واضح وتفعيل مسؤولية الجهات في تسلم مهمّاتها بشكل يسمح لها بالتنفيذ ويمكّن المساءلة، ويضمن استمرارية العمل والمرونة في مواجهة التحديات والمخاطر.

فإنشاء مكتب للإدارة الاستراتيجية على مستوى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية هو نقلة نوعية في كيفية العمل على مواءمة جميع البرامج والخطط التي تتضمنها رؤية "2030"، والتأكد من ملاءمتها معها، ودراسة المخاطر التي قد تحدث، إضافة إلى منع الازدواجية بين الجهات المختلفة المعنية في تنفيذ برامج الرؤية، وإجراء الدراسات والبحوث المواكبة لعمل الرؤية مما سينتج عن ذلك تقديم المعلومات والبيانات اللازمة لعملية اتخاذ القرار، بما يضمن السير الصحيح في تنفيذ الرؤية.

إن صياغة رؤية "2030" وما تتضمنه من أهداف عليا تسعى الدولة لتحقيقها قد راعت في مضامينها الإدارة الناجحة في تنفيذها من خلال الاشارة المباشرة وغير المباشرة لمفهوم إدارة المخاطر، حيث أصبح متداولاً في أوساط المؤسسات التعليمية والمنظمات الاقتصادية، حين بدأ عدد من تلك المؤسسات بتوظيف الخبرات، والتدقيق في بياناتها، فصارت أنشطة إدارة المخاطر في تلك المؤسسات بنداً أساسياً من أعمال التخطيط الاستراتيجي فيها.

فإدارة المخاطر جزء أساسي من رؤية "2030"، حيث يجري التركيز على التعرف على المخاطر المحتملة، واستشرافها بطريقة منهجية، باستخدام استراتيجيات تفكير مناسبة، وبخاصة إستراتيجية ديناميات التفكير النظمي، ومن ثم تحليل المخاطر وتقييم آثارها، وتحديد أولويات مواجهتها، ووضع الخطط لمعالجتها.

وبناءً على ما سبق نلاحظ أن رؤية المملكة المباركة "2030" قد صيغت بطريقة عبقرية لمواجهة المخاطر، والتحديات التي قد تواجهها المملكة، حيث صيغت بطريقة راعت عناصر إدارة المخاطر بنشر ثقافتها، وتحديد أساليب معالجة المخاطر بأنواعها الاستراتيجية والتشغيلية والتسويقية، ومراجعة الوسائل التي يجري استخدامها لتحديدها، والتحكم فيها، كما حددت منهجية المراقبة والمراجعة، ووضعت الإجراءات الوقائية اللازمة لتقليل فرص وقوع الخطر، وتطوير استراتيجيتها، وتحديد المسئوليات، والتأكد من صلاحية الأهداف وكفاءة العمليات وجودة النتائج.

ومن هنا نخلص إلى أن إدارة المخاطر هي أحد الأنظمة التي يرجى من خلاها ضمان تحقيق الأهداف المرغوبة، وهي عملية استثمار غايتها تجويد المخرجات المرجوة، وتحقيق الصبغة المستدامة للأنشطة المتنوعة في كافة المجالات، وذلك لأجل زيادة احتمالات النجاح وتحسين نقاط الضعف، ومواجهة النقاط الخطرة وتصنيفها ضمن آلية ممنهجة بأسلوب علمي.

وعليه فإن المتمعن بدراسة الرؤية يجدها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإدارة المخاطر، من حيث تحديد المخاطر، وتوصيفها كماً ونوعاً، وتحليلها وتقييمها بأسلوب علمي، ومنهجي بطريقة شاملة، من خلال دراسة كافة الاحتمالات وتقييمها من كافة جوانبها.

بقلم: عبد المجيد بن محمد العومي
مدير إدارة المخاطر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

صحيفة تواتر

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||