&& شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ && كل عام وانتم بخير نسال الله ان يتقبل منا ومنكم صالح الاعمال && اللهم تقبل صيامنا وقيامنا.. واجعلنا من عتقائك من النار.. وأدخلنا الجنة بلا حساب ولا عذاب.. واغفر لنا ولأمواتنا وأموات المسلمين&&

في ظِلالِ بيت (3)

في ظِلالِ بيت (3)

في ظِلالِ بيت (3)

بأيِّ لـفْـظٍ تـقـولُ الشِّـعْـرَ زعْـنِـفَـةٌ

تجــوزُ عندكَ... لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ ؟!

المتنبي

يعاتبُ مالىء الدنيا و شاغل الناس سيفَ الدولة عتابَ المُحِب قائلًا: كيف تُجيز في مجلسك أن يقولَ زعْنِفَةٌ، أي اللِئام و الأوباش من الناس، شعرًا لا يحمل بلاغة العرب ولا العجم؟!

أظن ولا أجزم أن ما دفع المتنبي إلى هذه النبرة العالية من القول، وليست عجيبة من شخصه العجيب، هو اعتداده العظيم بنفسه ومباهاته المعروفة بأشعاره. و كان يُؤْمِن في أعماق ذاته أنه الشاعر الأوحد لعصره قبل أن يكون ذلك في عيون سيف الدولة والناس، كما لا أستبعد أن حبه لسيف الدولة قبل فراقهما، وخوفَ أن يحتل أحدٌ مكانته الخاصة لديه، دفعه أيضًا إلى قول ذلك.

لا توجد “وصفة طبية” يجود بها أولئك الذين يدَّعون المعرفة في كل شيء بأن تجعل الإنسان شاعرًا! وأسخر من المقاطع المرئية والمواضيع المكتوبة التي تعلم المرء كيف يكتب قصيدة، ومُجلدات الإرشاد ومحاضرات الوعظ لن تجعله يكتب بيتًا واحدًا وهو لا يملك الموهبة، فالشعر موهبةٌ ربانيةٌ يختص بها من يشاء، وتظهر على الإنسان في سنٍ مبكرة وتستمر معه إلى أن يموت.

وعلى الضفة الأخرى من النهر، و على الناحية الأخرى من الواحة، لا أصدق الشعراء الذين يظهرون بين الحين والحين لإعلان اعتزالهم، و كأن الشعر وظيفةٌ تنتهي بالتقاعد أو إنهاء الخدمة. الشاعر الحقيقي يولد شاعرًا ويموت شاعرًا، ولا يستطيع أن يتجاهلَ موهبةً تصرخ من أعماقه، و تأبى إلا أن تظهر للضوء والهواء طالما ينبض قلبه ويتنفس صدره. إن الشعراء العظام في تاريخنا الأدبي وثقافتنا العربية، وفي الأدب العالمي عمومًا، ماتوا دونما يعلن أحدهم الاعتزال يومًا، كأحمد شوقي والجواهري وشكسبير وجوته، بل إن الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي جَرَى الشعر على لسانه وهو في أردى حالاته الصحية ولم يستطع أن يتخلَّ عنه عندما كفَّ بصره إثر رصاصاتٍ خاطئة أصيب بها في بيروت، و نُقِل إلى بغداد للعلاج، فقال بيته الشهير: يا عودةً للدارِ ما أقساها * أسمعُ بغدادَ ولا أراها.

متى يكتب الشاعرُ القصيدة؟ -أو بالأصح متى تكتب القصيدةُ الشاعرَ؟!- هذا موضوعٌ مُختلَف فيه كثيرًا، ومزلَّةُ أقلامٍ وأفهام. وقرأتُ مراحل عملية ولادة القصيدة لشعراء كبار بكتبٍ تحكي سِيَرهم الشعرية مثل كتاب “قصتي مع الشعر” لنزار قباني، وكتاب “سيرة شعرية” لغازي القصيبي. وأجمعا أن الشاعر الذي يختار وقتًا لكتابة القصيدة، وربما يحدد قبل البدء موضوعها وبحرها وقافيتها، هو ناظمٌ و ليس شاعرًا. وفي حالةٍ مثل هذه فإنه يغتصب الشعرَ اغتصابًا، ليلد غالبًا قصيدةً شوهاءَ يندر أن تجد فيها صدقًا و جمالًا. القصيدة الرائعة ليس لها موعد، وتأتي على حين غِرّة. قد تهجم على الشاعر وهو يعبر الشارع، أو وهو مسافرٌ في رحلةٍ جوية، أو جالسٌ بين أهله وأصدقائه. تأتيه على استحياء في البداية، وكأنها عروسٌ حسناء تطرق ذهنه وعواطفه لتستأذنَ في الدخول، ولكي يتهيأ لاستقبالها. ثم ينحني جانبًا ليكتب ما يهطل عليه من أبيات، مدفوعةً بتجاربه الشخصية أو بما رآه من تجارب الغير، ومُنهمِرَةً بعواطفه القوية، وملونةً بخياله الواسع. ويمارس التعديل والتنقيح حتى تلد القصيدة بأجمل ما يراه.

الشعر، كغيره من مختلف المعارف والفنون، تجد فيه الموهوب الذي يعشقه ويكتبه ولا يستطيع الخلاص منه، و هم القلة القليلة. وتجد فيه من يحبه و يحفظه ولكنه لا يستطيع أن يكتب بيتًا واحدًا، و هم محبوه وجماهيره. وتجد من هو متشاعر ودخيلٌ عليه فيسيء إلى نفسه أكثر مما يسيء إلى الشعر، وما أكثر هؤلاء!

بقلم: طارق بن خويتم المالكي

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||