البَوْ.. رضيع بلا روح.. شهرته الأمثال الشعبية

بَوْ: بفتح حرف الباء وسكون الواو، وهو اختراع استغل البشر فيه عاطفة الأمومة عند الدواب، فصنعوا من جلد رضيعها الميت بَوْا لاستمرار إمداد الحليب الذي تدره الأم المخدوعة بابنها المحشو بلا روح. وهو سلْخ جلد ابن الدابة الميت، وحشوه إما قماشا وإما تبنا، ليبدو لها وكأنه حي، وعندما تحين ساعة الحلب يقرِّبونه من الأم فتشمه فتشعر بالحنان فتعطف عليه فتدر الحليب، وهي خدعة حتى لا يجف الضرع بسبب فقد الدابة رضيعها.

والبو معروف ومعتمد عند فئة السكان التي تعتمد على تربية الحيوانات والرعي في العالم كأوروبا، ودول آسيا وأفريقيا وروسيا، إلا أنهم يستخدمونه للماشية من الضأن والماعز؛ لأنها محور اهتمامهم الأكبر في ثقافة تربية الحيوان عندهم، ومع أن سكان الجزيرة العربية استخدموه للمواشي، إلا أن استخدامه للناقة التي تفقد وليدها أخذ منهم حيزا كبيرا لمكانة الإبل في الثقافة العربية كموروث قديم مستمر منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، التي وثقتها أشعارهم، ومنها قال الشاعر الجاهلي معن بن أوس:

تَشُجُّ بي العوجاء كل تنوفة

كان لها بَوّا بِنِهْيٍ تُغَاولَهُ

وفي المعاجم البَوْ: ولد الناقة، وجلد الحوار يحشى ثماما، أو تبنا، فيُقرّب من أم الفصيل فتعطف عليه فتدر الحليب.

وللبو طريقة أخرى غير حشوه، بوضع جلد رضيع الدابة المسلوخ على ظهر رضيع يتيم لتألفه الأم المخدوعة برائحة جلد رضيعها: ففي تاج العروس: الجلَدُ محرّكةً، أَن يَسْلَخ جِلْدَ البعير أَو غيره من الدّوابّ، فيُلْبِسَه غيرَه من الدَّوابِّ، قال العَجّاج يَصف أَسَداً: والجلَدُ محرّكة، أن يُسلخ جلد البعير أو غيره من الدواب فيُلبِسَه غيره من الدواب قال العجاجي يصف أسدا: كأنه في جَلَدٍ مُرَفّلِو الجلَدُ: جِلْدُ البَوْ يحشى ثِمَاما ويُخيّل به للناقة، فترأم بذلك على غير ولدها، أو جلد حوار يُسلخ ويُلبس حوار آخر لترأمه أم المسلوخة، وفي الصحّاح: لتشمه فترأمه. وجَلَدَ البَوْ: ألبسه الجلد.

ولغرابة شكل البو وقوة فعله العاطفية في جعل الأم تدر بمجرد أن تشم رائحته، ولدوره الفعّال في ثقافة البادية كوسيلة لجعل الحليب يستمر في ضرع الأم، دخل في الألغاز الشعبية التي وجدنا فيها ما للـ(بَوْ) من دور في حياة سكان الجزيرة الغذائية:

أسألك عن شيء بلا روح وعظام

من ساس حيه وهو شيء جمادي

قُدم لحيوانٍ بطلب غش وأوهام

واللي يعرفونه رجال البـوادي

الحل: البو: وهو جلد ابن الناقة بعد سلخه وحشوه لتعطف الأم بسببه ويدر ضرعها حليبا.

وفي الأمثال يقال فلان رجل (بَو) أو (فلان بو يُحلب على فمه) ويضرب فيمن يستفاد منه ولا يستفيد.

قال الأصمعي: دعاني بعض العرب الكرام إلى قِرى الطعام، فخرجت معهم إلى البرّيّة فأتوا بباطية وعليها سمن، فجلسنا للأكل، وإذا بأعرابي ينسف الأرض نسفا، فجلس معنا على الطعام من غيرِ نداء، فجعل يأكل والسمن يسيل على ذراعه، فقُلتُ في نفسي لأضحِّكن الحاضرينَ عليه، فدار حوار بين البدوي والأصمعي، حتى وصل البدوي لقوله عندما لاحظ أن الأصمعي يتصنع عدم الفهم، فوصفه بـ(البَو)؛ أي الذي لا قيمة له.

إن كنتَ لا تفهمُ ما قلتُه

فأنت عندي رجلٌ بوْ

فقلت والكلام للأصمعي: البوْ ماذا؟

فقال البدوي:

البو سِلْخٌ قد حشي جلدُهُ

يا الفَ قرنان تقوم اوْ

فقال له الأصمعي: اوْ؟ ماذا؟

فقال البدوي:

أو اضرب الرأس بصَوّانةٍ

تقول في ضربتها قوْ

يقول الأصمعي:

فخفت أن أقول له: قو؟ ماذا؟ فيضربني ويكمل البيت، فقلت له: أنت ضيفي الليلة، فقال البدوي: لا يأبى الكرامةَ إلا لئيم.

تنوفة: أي الفلاة لا ماء فيها ولا أنيس.

الباطية: آنية كبيرة يسكب بها الطعام الذي يقدم للضيوف.

وقال أحد الشعراء:

كني خلوجٍ عقب فرقى الجنين تسوف

وتـود الغريـر اللـي لهـا الـبـو يمشيـبـه